05 - 06 - 2026

رشقة أفكار | من يجرؤ على التحقيق؟

رشقة أفكار | من يجرؤ على التحقيق؟

- قد أكون مخطئا حينما لا أجد نفسي في الالتزام  الديني الصارم .. الذي قد تهفو إليه، أو تتوق إلى ممارسة الآخرين له، متمنيا أن تفعل مثلهم وتحذو حذوهم.. ولكنك رغم شدة إعجابك بهم لا تمتلك الإرادة الحقيقية لفعل ذلك!.. أسمعك فورا تقول لي ها انت تعترف بأنك لست غيورا على الدين مثلنا؟ "يعني ايه" أخي الكريم العجيب.. هل أنا شيخ الأزهر؟ هل أنا رئيس هيئة كبار العلماء؟! هل أنا رئيس شرطة "هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"، التي قد تحلم بإنشائها عندنا، ولو أوقفها مبتكروها ومخترعوها في السعودية؟! لا أقول لك دع الخلق للخالق.. إطلاقاً.. لكني أدعوك لعدم الانزلاق والغرق في بحار عميقة لا قرار لها، والإفتاء في تصرفات وسلوكيات شخصية من زاوية غيرتك على الدين.. هذه أمور تستعصي حتى على علمائنا أحيانا، بدليل أننا غارقون في طلب تجديد الخطاب (والصواب تجديد الفكر) الديني، فهو أم الكوارث الآن.

-  أدعوك أكثر وأكثر - للاهتمام بأمور أهم وأكثر تعقيدا.. على سبيل المثال فهم - أو الاجتهاد في فهم - مقاصد رئيس الدولة من محاولاته المتتالية للاستفادة من ممتلكات وثروات وزارة الأوقاف المصرية، إسلامية وقبطية والمقدرة بقيم مالية تريليونية. هل هذه الاستفادة مما يعظم مقدرات الدولة المصرية؟ وهل يتم هذا على مستوي الرئيس ووزير الأوقاف فقط أم انها مسؤولية يجب أن يشارك فيها المجتمع ككل؟ هذا نموذج لما يجب أن يشغلك.. عليك ان تهتم بما هو كلي في القضايا وليس بما هو شخصي.. لا تنشغل بسؤال عن مدى الفحولة الجنسية - أو عن كم العلاقات والممارسات - لمخرج شهير؟ أو الانشغال بمدي صحة أو فبركة تسريبات صوتية لناشطة ومحامية حقوقية.. صحيح انها هزت المجتمع، لكن السؤال الصحيح هو: هل يحق لأي جهة من الجهات ان تذيع تسريبا صوتيا لك أو لي أو لغيرنا، ونحن نغازل سيدة، أو حتى نرتكب معها فعلا فاضحا عبر الهاتف، مع صديقة أو  زميلة أو جارة أو مُستأجرة؟ ومن الذي لايفعل ذلك على الماسنجر او الواتس أب او تليجرام  هذه الأيام، إلا من رحم ربي؟! - لقد تورط محامون كبار مؤخرا في قضايا تحرش، وهكذا تساوى في الجريمة الشخصية رموز مجتمع مع غوغاء ودهماء وعوام الناس.. لكن من حيث المبدأ هل تقبل انت بتسريب صوتي لك يكشف خطيئتك التي سترك الله وحفظك من إعلانها؟ وما هو دورنا وماذا نفعل نحن وماذا نستفيد وبماذا سنتأثر، عندما يهتك ستر رجل ستره الله؟!

يمكنك بالطبع أن تدلي برأيك لكن لا أظن - وليس كل الظن إثما - أن هذه هي القضية التي تشغلك وتشغل المجتمع. مايشغلك هو "تسريب" الامتحانات والجوّر على حقوق ابنك المتفوق.. اهتم بكل ما له علاقة مباشرة بحياتك وحياة الناس.. وليس الاهتمام بمدي حل أو حرمة قروض البنوك.. ففي مصر رجل - أو رجال - يتحملون وزرها إن كانت وزرا ويجزوّن حِلَها إن كانت حلالا.. في نهاية المطاف هي تتعلق بقضاء حوائج الناس، في ظل دولة مسؤولة تتحمل المسئولية، ووظيفتنا ودورنا تعميق هذا الدور، والضغط ليبلغ أعلى ذروة له. وظيفتك أن تسأل لماذا خرج - وهل يستحق؟ - هشام طلعت من السجن بعفو .. ولماذ تمطى وتمدد نخنوخ، ثم تسأل عن دلالات سقوطه مؤخرا.. وهل كان يتوقع ماجري له، وهل كان مطمئنا آمنا واثقا بأن  الأمور ستظل على إطلاقها ومصاريعها بالنسبة إليه؟ هل حسبها "غلط"؟ أم أن هناك صراعا خفيا أوقع "نخنوخ" مجددا في شر أعماله؟ أنا وأنت نختلف مع ما فعله أحمد دومه، ومع أسلوبه الذي ينتهجه في المعارضة، وهو تقريبا يماثل أسلوب علاء عبد الفتاح في البذاءة..  عليك أن تحدد موقفك من أسلوب المعارضة بالبذاءة، وهل تقبل به أسلوبا للتعبير عن الاختلاف أم أن الرصانة هي الحل؟ وتسأل أيضا هل ماكتبه في أحد مقالاته مما يستحق السجن؟ صحيح أن الاتهام رفع للقضاء وقال كلمته فيه وسجنه عاما، لكن نحن أمام سوال مهم: فأنا أكتب الآن هذا المقال فهل يجب أن أتوقع السجن لأنني أكتب رأيا؟! يبدو لي صحيحا أننا لا نقوم بطرح الأسئلة الصحيحة.. وإن طرحناها فهناك مشكلة خطيرة.. وهي أننا لا نتلقى إجابة! نتفنن في تعقب العورات ونتألى على الله ونقول إنه لايرضي عن ذلك وكأننا وكلاء عنه!.. نحن لسنا كذلك.. الدولة هي المسؤولة ووزراؤها هم المسؤولون، وعلينا عندما نرى خطأ أن نسأل أولا رجال الدين، ونستطلع رأيهم ونلزمهم بإعلان مواقفهم أمام الدولة. وليس أن نتخذ مواقف وننشغل بها دون أن ننخرط فيما نتعرض له من مخاطر رهيبة في حياتنا اليومية. هناك أمور لا علاقة مباشرة لنا بها.. حينما يطلب هذا المخرج "الفحل" يد ابنتك لنفسه أو لإبنه او لأحد أقاربه أُرفض وقل له لا. حينما تثق أن محمد رمضان أفسد الفن والذائقة، امتنع عن مشاهدة أعماله و لا تدفع جنيها ثمنا لتذكرة سينما تعرض عملا له!

الشرقي يولي الدين إهتماما شديدا وينظر إلى الأمور من منظور ديني! يغضب الناس لأن فلانا غير ملتزم دينيا، أو علمانيا، أو حتى ملحدا.. يغضب الناس كتابا وصحفيين وفيسبوكيين وتويتريين لأن فلانا العلماني او اللا ديني يتحدث في الدين.. وينشغل بهذه القضية دون غيرها، مع أن الشارع أكثر غضبا وسخونة فيما يتعلق ببيانات التضخم وارتفاع الأسعار الجنوني.. وإعادة تدوير الدواجن النافقة بحيث تؤكل من جديد، في غيبة الرقابة وغيبة مفتشي الضبط الذين يمكنهم إنقاذ الناس من نظام "الشريرات" في الطعام.. وهذا هو المعيار الحقيقي في النظر إلى قضايا الطعام والصحة العامة!

ثم إن الجميع يستخدمون الدين، من الإخوان المفسدين إلى القاتل دونالد ترامب.. وسبقهم إلى كل هذا جورج بوش الإبن، فقد نشرت مجلة نيوزويك في مارس 2003 غلافاً شهيراً بعنوان "بوش والله" (Bush & God)، ناقشت فيه إيمانه العميق بأنه مبعوث في مهمة إلهية، ورؤية ثنائية "للخير والشر" وأن الله يوجه مسار التاريخ.. كل الرؤساء يستخدمون الأديان!

نظرتي الحقيقية للدين تكمن في العدالة الاجتماعية. فلان صلى وفلان لم يصم.. الممثلة الفلانية ظهرت عارية أو مستترة..  هذا لا يفيد البسطاء في شيء. حينما يكون الوطن غارقا في الديون والمشكلات الخطيرة.. والسياسات الخاطئة ليس علينا الانجراف بأفكارنا تجاه  التفتيش في تصرفات الناس الشخصية. لا يهمنا لباس نجمة ولكن يهمنا تصرف "نخنوخ" وكيف احتمى بالسلطة ليتقوى. يهمنا أن يصل رأي الشعب إلى وزير النقل.. وأن يعرف أن البيانات التي أذاعها عن كلفة المونوريل احتسبت خطأ وعليه واجب الاعتراف بالحقيقة. حينما يسافر الفريق القومي إلى أميركا وهناك شبهات تحيط البعثة بأن هناك من لا يحق لهم السفر وبالتالي التمتع بأموال ودولارات - تنقصنا بالأساس - يجب أن تقوم الدنيا عند الدولة ولا تقعد، بحيث يتم إجبار اتحاد الكرة على إعلان الحقيقة، خاصة وأنه سبق وأصدر بيانا ينفي فيه مثل هذه المعلومات! اليوم مع تشكيل البعثة وسفرها يعود الموضوع ليطل برأسه. السادة المحترمون في الدولة المصرية: لم يعد المسؤولون يخشون المساءلة أو العقاب وهذا ليس أمراً جيدا.. لمصلحة من تشيع هذه الفكرة عند كل المسؤولين؟ هل تخشون أن لا يعمل هؤلاء؟ وهل هذا كاف ليمارسوا مهامهم وهم آمنون ومطمئنون ولا حساب ولا مساءلة؟

وكيف يمكن لمحافظ القليوبية إبعاد أحد رؤساء الأحياء بذريعة أنه مسؤول غير منتج ولا أثر لإنجازاته.. ثم يقوم محافظ القاهرة بعد إبعاد هذا المسؤول بأسبوع واحد من منصبه، بتعيينه رئيسا لحي المقطم؟

لماذا عزل محافظ القليوبية رئيس الحي؟!

ولماذا أعاد محافظ القاهرة تعيين نفس الشخص المعزول رئيسا لحي المقطم؟!

أيهما على صواب؟ محافظ القليوبية أم محافظ القاهرة؟ وهل رئيس الحي السابق، المعزول، والمعين حديثا رئيسا لحي بديل.. هل هو كفء في منصبه أم أنه يستحق العزل؟ وهل هو جبر خاطر؟ هل هناك آي مصلحة؟ هل هي توجيهات دولة أو  جهة؟

- التحقيق والوصول إلى الحقيقة مسؤولية من؟ هل يأمر رئيس السلطة التنفيذية بإحالة الموضوع إلى النائب العام للتحقيق؟ وهل لدينا كدولة شجاعة أن نعلن الحقيقة وحتى لو كان المخطيء محافظ؟

- مبارك سبق له أن عزل وزيرا على الهواء بعد مجزرة الأقصر (حسن الألفي) وقبله أقال زكي بدر أيضا لانه سب وشتم الناس. وسبق في عهد الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي القبض على وزير زراعة في الشارع وتمت محاكمته وسجنه!

من يطمئن الناس؟ من يجرؤ على الكلام إلى الناس، من يقول لهم هل حسن عيسي نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية على صواب أم  أنه مخطيء في حساباته؟ من الذي سيدفع كامل الوزير لإذاعة البيانات الصحيحة عن كلفة المونوريل، وهل كل محطة لا تكلف أكثر من 2.8 مليون دولار كما قال؟ أم انها تكلف 28 مليون دولار؟

هذا هو مايجب علينا الانشغال به، وهذا هو الحلال والحرام الحقيقي.. في هذا جوهر حياتنا أيها الناس!
--------------------------------
بقلم: محمود الشربيني


مقالات اخرى للكاتب

رشقة أفكار | من يجرؤ على التحقيق؟